مجلد 1 عدد 5 (2025): العدد 5 من مجلة المستقبل العراقي للدراسات السياسية

                    معاينة مجلد 1 عدد 5 (2025): العدد 5 من مجلة المستقبل العراقي للدراسات السياسية

العراق بين احتلالين واختلال العقد الاجتماعي: من فرض الدولة إلى تفكيكها

      لم يعرف العراق، في تاريخه الحديث، مسارًا طبيعيًا لتبلور عقد اجتماعي توافقي، بقدر ما خضع لسلسلة من الانقطاعات القسرية، التي أعاقت تشكّل الإرادة العامة، وأفرغت فكرة الدولة من مضمونها الأخلاقي. فقد ولدت الدولة الحديثة في العراق، في سياق احتلال خارجي أسس السلطة فوقيًا، لا من داخل المجتمع، ثم واجه احتلالاً ، لم يكتفِ بإسقاط النظام، بل أعاد تفكيك الدولة ذاتها. وفي الحالتين، كان العقد الاجتماعي هو الضحية الأبرز.

إنَّ المقارنة بين دستور عام (1925)، ودستور جمهورية العراق لعام (2005)، تفصح عن دور الاحتلالين في تشويه منطق العقد الاجتماعي، وإن اختلفت الأدوات، والسياقات. فدستور (1925)، على الرغم من صدوره في ظلِّ الانتداب البريطاني، سعى- كما بدا في الظاهر- إلى بناء دولة مركزية حديثة، تعطي الأولوية للقانون، والمؤسسات، على حساب الانتماءات الفرعية، وتؤسس لاحتكار الدولة لوسائل الإكراه المشروع. وبهذا المعنى، اقترب، من حيث الوظيفة، من التصور الذي يرى في الدولة كيانًا ضابطًا للفوضى، سابقًا على المجتمع السياسي، وضامنًا للأمن، والنظام. بيد أنَّ هذا التأسيس، حمل في بنيته عيبًا بنيويًا، تمثل في كونه ثمرة تسوية مفروضة من الخارج، لم تنبع من توافق اجتماعي داخلي، بل من هندسة استعمارية هدفت إلى إدارة المجتمع، عبر تعميق تناقضاته، أكثر ممَّا هدفت إلى تمكينه سياسيًا.

أمَّا دستور (2005)، فقد جاء في سياق أكثر تعقيدًا، وخطورة، سياق أعقب احتلالًا عسكريًا مباشرًا، فكّك بنية الدولة، وأطلق العنان لقوى ما دون الدولة، لتشارك، وتقاسم، السلطة، والشرعية. وقد انعكس ذلك بوضوح في نصوص الدستور، التي تحوّل فيها العقد الاجتماعي، من إطار جامع للمواطنة، إلى صيغة اعتراف متبادل بين مكوّنات، وقوى سياسية، بعضها أسس خارج منطق الدولة، أو في تعارضٍ صريح، مع احتكارها للعنف، والسيادة. وهنا لم تعد الدولة حكمًا بين الأفراد، بل ساحة لتقاسم السلطة، وتحول العقد من رابطة مدنية، إلى تسوية سياسية هشة.

ومن منظور فلسفة العقد الاجتماعي، فإنَّ الاحتلالين، على اختلافهما، اشتركَا في أمر جوهري، وهو تعطيل الشرط الأخلاقي للعقد. فالاحتلال الأول فرض الدولة قبل أن ينضج المجتمع السياسي، والاحتلال الثاني أطلق المجتمع السياسي دون دولة ضابطة. وفي الحالتين، غابت الإرادة العامة بوصفها مصدر الشرعية، وحلّت محلها شرعيات مشتقة من القوة، أو الطائفة، أو الريع، أو الحماية الخارجية.

لتحميل العدد كاملا اضغط

منشور: 2026-01-05